الأحد، 31 يناير 2016

اضطراب قرب آبار النفط




مجموعة مقالات سياسية كتبها الدكتور الكويتي محمد الرميحي حول الظروف السياسية التي تحيط بالعالم العربي وتحف منطقة الخليج ودوله التي تواجه أكبر تحدٍ سياسي في تاريخها .
سيما وأن الدول العربية المركزية التي كانت تعين في الملمات أو تسد ثغرة ما أصبحت أحوج ما تكون اليوم إلى من يعينها ، وضاعف ذلك من الثقل والمسؤولية على دول الخليج .
يواجه الخليج أصعب مسؤولياته الماثلة في أطماع إيران ، يحاول أن يدفعها لجوار مسالم ولكنها تصرّ على استثمار الفراغ العربي والدولي لتمد مشروعها التوسعي في المنطقة ، بعد أن ارتمى العراق في حضنها كهدية من السماء وألهب رغبتها للازدياد .
الخليج وهو جماعة الممالك التي رفعت ثوبها بعنت من حرائق الانتفاضات ، يواجه تحدياً داخلياً حقيقياً فهو رغم نجاحه على الصعيد التنموي بالقياس إلى بقية أشقائه العرب إلا أنه على الصعيد السياسي ما زال متردداً ومتثاقلاً بعض الشيء .
يواجه مشكلة هبوط أسعار النفط الذي يتنفسه أكسجيناً للحياة والاستقرار ، غير أنه وأخيراً بدأ يتحسس على عنقه ويوسع من أفقه واختار طريق الصعوبات والبحث عن بدائل اقتصادية ضامنة والانفكاك من إدمان النفط وريعه المتوجس ، وأصبحنا نسمع عن مشاريع للتحول الاقتصادي وتنويع المصادر وسواها من العناوين التي أرجو أن يكون نصيبها على الواقع أكثر جدية من حظها على الورق .

للرميحي رأي سياسي معتدل وهو من القلائل في كتبة الخليج من يمهر حروفه بكثير من الحصافة والموضوعية والنقد المتسق بعيداً عن المبالغة في مسائل الوطنية وحساسية نقد الأداء السياسي .

هناك موضوعات مكرورة على منوال ما تواجهك به الصحف الخليجية كل صباح دون مساس بالقضايا المركزية التي تترقبها المجتمعات ولا تجد لها حساً أو تسمع عنها ركزاً .

هشاشة الأيديولوجيا .. جبروت السياسة




" مدهش " هذا الشرق الأوسط ، ليس ثمة نسق ينتظم حركته السياسية ، يزخر بالمتناقضات حد العجز عن فهمه واستيعاب النواميس التي تحركه ، سيل المتغيرات الهادر لا يتوقف ، حتى ذلك الجمود الذي يجثم على طبيعته في شكل استقرار متخيل أو يأس من التغيير أو انسداد في الأفق ، ليس كما نتصوره من الثبات ، فهو قابل للتزحزح عن موقعه وربما الانقلاب تماماً على حالته .
هذا ما يمكن الخروج به من قراءة كتاب خالد الحروب الذي يختصر في عنوانه حالة السيولة السياسية في الشرق الأوسط ، التوازنات المتأرجحة في كل شيء ، وكأن العالم العربي يتمخض عن شيء فلا يولد إلا المزيد من الرغبة والجوعة والنهم للتحول الدائب المستمر بلا توقف أو هدوء .
يدعو الحروب إلى استعادة دور الرأي العام في التأثير على سياسات الدول وتوجهاتها ، ولعلي أخطأت في اختيار مفردة ( استعادة ) - وكسلاً لا أود العودة إلى تعديلها - ذلك أن الاستعادة تعني إعادة ما كان موجوداً وهو ما يخالف الحقيقة التاريخية .
والتعبير الأسلم هو إعطاء الاعتبار اللائق بالرأي العام الشعبي للتأثير في مصير بلده عبر الآليات الديمقراطية التي ابتكرتها البشرية وارتاحت لها أسلوباً لإدارة الشأن العام ، ولكن ثمة ما يعيق هذه المعالجة وفي قمتها حكومات الانفراد وداعميها من الغرب المستريح إلى طريقة حكم تكفيهم شر المتاعب وتؤمن لهم المكاسب .
الطامحون الجدد كإيران وتركيا يسهمون في مزيد من البعثرة لهذه المنطقة ، تتشابك الحسابات بطريقة معقدة تضيف نكهة الحيرة والتيه لمستقبل الشعوب ، يستخدم هذا الطموح أحياناً مخالبه ويعمل في الشعوب قتلاً ومصادمة لحقها التاريخي في الحرية كما تفعل إيران في الثورة السورية .
انسحاب أمريكا ومن ورائها القوى الأوروبية يغري روسيا باستعادة موقعها ومداواة خيبتها في العالم عبر إعادة تموضعها في الشرق الأوسط المشرع لكل الطامعين .
مستمر هذا الشرق في التداعي أو التنامي ، المهم ألّا يهدأ ، يعتمل بطريقة جنونية ويندلق بتحولاته الملتهبة ، والله وحده يعلم على أي جوديّ ستستوي سفينته ؟!

الأربعاء، 27 يناير 2016

مذكرات قبو



مذكرات قبو
- الداعشي انطلاقاً من لحظته الخاصة -

الكتاب مميز ، لأنه كتب بقلم رجل  خبير بحياكة الروايات وحبكتها المعقدة ومن جهة واجه حقيقة رحيل ابن أخته كاستشهادي إلى صفوف داعش ، فكأن حروفه أنضجتها الخبرة واعتصرها الألم ، وهذين أعظم موارد الكتابة النابغة الملهمة .
ولكنه في النهاية لا يستطيع أن يحيط بالحقيقة أو هو لم يزعم ذلك ، بل يحاول أن يبحث في شخوص الروايات الشهيرة بعض ملامح الشبه والاشتباك مع كل داعشي انضم إلى جماعة تحترف القتل والخراب والدمار الذي يبدأ بالنفس ذاتها ولا ينتهي عند حدود ، وكأن الإنسان أعجز الشيطان في مذاهب التفنن والشذوذ والقدرة على الإيذاء والإفساد وخراب الأرض .
بعيداً عن الكتاب الذي يعج بشخوص الروايات ومحاولات مبددة للوصول إلى معنى ، لا يبدو الداعشي بعيداً عن الواقع ، ليس بعيداً إلى حد البحث عنه عبر الإيغال في خيال الروايات الخصب وفضاءاتها القاصية في ابتكار الغرائب والفظائع .
الواقع متقدم على الخيال في هذه الحالة - والتقدم هنا لا يعني صورته الإيجابية - ، إذ لا يمكن الانتهاء إلى إجابة عند حافة الخيال دون الحفر جيداً في الواقع ، البحث فيه بتجرد وموضوعية وإلمام ، درس روح الزمن وحالة الوقت التي تفرز هذه الشذوذات على قارعتها ، وتنزّ بهذا القدر من التوحش والقلق والإيذاء .
خراب الأرض بدل إعمارها ، لأن الدعشنة اتجاه يصادم الأمر الإلهي والاحتمال الطبيعي ، الدعشنة ليست أمراً جديداً يبزغ على الأرض ولكنه التوحش البشري القديم الذي يضطرم في ذيول الحضارات ، وكأنه السحيق الذي يبتلع آخر نزع في روح أمة ما ، قبل أن تفيق أو تموت للأبد ، هذا بعض ما يتأجج داخلها من إمكان الخير والشر ، يعتركان لينتصر في النهاية ما يغلب منها ويطغى ، فإما البقاء أو الفناء .
إنه التحدي الحضاري نفسه ، يجرنا الإسفاف إلى مستنقعه ، بأدواته الوحشية ، بأفكاره المؤدلجة ، يهشم كل ما يعترض طريقه ، تبدو جيوش العقل والمنطق مستضعفة أمامه لا تقوى على شيء إلا إذا انتصر له أهل السلطات على تعددها ، وإلا فإن الفناء مصيرنا جميعاً ولا فكاك .


ربيع العرب .. زمن الإخوان



يبدو عنوان الكتاب مثل قوسين تختصر مسافة الثورة التي التهبت مطالع عام ٢٠١١ ، وبين دفتيه يمكن أن تقف على حجم الحماس غير المحسوب الذي غمر الجميع يوم استطاعت هذه الثورات ولبعض الوقت فتح نافذة إلى الحرية .
من كان يصدق أن مبارك أو القذافي أو بن علي سيتزحزح قيد أنملة فوق كرسيه الذي يعض عليه بالنواجذ والخوذ وفوهات البنادق ، ولكن الثورة فعلت ذلك !
لم يسلم أحد من ريح مسته تعبق بالرغبة لتغيير كل شيء ، حتى لكأن الشعوب العربية يوم ثورتها اغتسلت من درن الرتابة الذي أحاط بها .
خاشقجي عبر هذا الكتاب تتبع التفاصيل اليومية أيام الثورات ، خاصة وأنها عبارة عن مقالاته الصحفية التي كتبت وقتئذ ، إذ تولدت العبارات والمشاعر من رحم اللحظة ، وتشعر وأنت تقرأ الكتاب وكأنك مأخوذ بكل حمولاتها العاطفية وشحناتها السياسية المستفيضة .
من المهم قراءة الكتاب لتشرف على حجم التأثير الذي تركته الثورات ، وتتزامن معها وكأنك تعيشها - هذا لو كنت صغيراً لم تلحقها أو زاهداً لم تحفل بها - من المهم قراءته لتقف على حجم الانبهار الذي لمع في ذهن ووجدان كل عربي .
أما قيمته التحليلية فتتوقف عند حدود انحسار الربيع العربي وانتصار الثورة المضادة في جملة من بلدانه باستثناء تونس التي توجت ربيعها بجائزة نوبل للسلام ، السلام الذي غاب من بلدان الربيع وحل بدلاً عنه القتل والتدمير والخراب .
الإخوان وهم الشق الآخر من عنوان الكتاب يعانون كذلك من تبعات هذا الربيع ، فالرئيس المصري القادم من صفوف الإخوان أصبح معزولاً ، ومحبوساً ، يواجه وجماعته مصيراً مجهولاً ، بعد عودة العسكر إلى حكم مصر .
وأسوأ ما حدث للثورة في مصر أن رئيس ما بعد الثورة جاء من الإخوان ، إذ فاز لأن جماعته أكثر تنظيماً وإن جاء بطريقة انتخابية مشهود بنزاهتها ، وبالمحصلة هو اختيار المصريين ولا تصح المزايدة على حقهم في اختيار من يحكمهم ، ولكن فوز رجل من الإخوان هو تعبير عن عجز القوى المدنية والوسطية - ومنها قوى الثورة الشابة - في الدفع بمنافس لائق يمكن أن يخفف من الاحتقان الذي ولد من خلفية تاريخية متوجسة في علاقة الإخوان والعسكر ، وضاعت الثورة ومكاسبها في ورطة هذا الخلاف التاريخي المعقد الذي استفاد منه فلول النظام السابق لاستعادة مواقعهم وحماية منافعهم .
عزل مرسي وأودعت جماعته السجون وقامت حملة عمياء لإقصائهم ، وهذا لم يتحقق في زمن الإلغاءات الشعواء بله أن يتحقق اليوم وقد تبدلت الأحوال واستقوت الكيانات ، ولكنها السلطة وشهوتها المقيتة .
سوريا هي الثورة العالقة ، وما زال المستقبل يحمل لها الكثير من الألم المجهول ، ولكنها تكابد لتسوي حساباتها المؤجلة ، وما لهم غيرك يا الله .


الأحد، 17 مارس 2013

يوميات الثورة





من ميدان التحرير .. إلى سيدي بوزيد .. حتى ساحة التغيير

أما نواف القديمي فإنك لتستحي أن تسميه مجرد صحفي يطوف البلدان ويسجل فيها ذكرياته ويقيد يومياته ، ولكنه أبعد من ذلك بكثير ، فما إن اختتم واحدة من مؤلفاته الرائعة إلا وتزداد فتنتي بقلمه وتعلقي بتفكيره ومنطقه وحلو لسانه .
ويبدو أن القديمي وجد في هذه الثورة فرصة ليحيل أشواق حريته القديمة إلى واقع يراه يخطو بوقع ثوري على الأرض ، فهو يراجع في نهاية هذا الكتاب التفكير السلفي والتحولات التي بدأت تشرق من ثناياه باتجاه التصالح مع الديمقراطية ولو بمجرد القبول بآلياته والحرج من فلسفتها ولكنها خطوة على حسب ما يذكر القديمي باتجاه التقدم والتطور .
وقبل هذا يسجل القديمي بعض ما رآه واستحق كتابته من الميادين الشعبية التي احتضنت آمال الأمة ورسمت على عرصاتها بدماء الأحرار مستقبل شعوب لن تعطي فرصة أخرى للاستبداد أن يستشري عروق وطنهم أو يتمدد في أعضاء بلدهم .
منذ الشرارة الأولى في جسد البوعزيزي سوف تقف على تفاصيل جديدة ومثيرة في قصة هذا الشاب الريفي البسيط ، ثم تتابع بدقة متناهية تمدد الفعل الثوري إلى بقية البلدان العربية ، ستكتشف حجم التباينات والتشكلات الفكرية والسياسية التي تثري الحراكات السياسية في البلدان الثائرة .
وكعادة القديمي يقدم مادته بأسلوب سلس ومعلومات طازجة وبرشاقة صحفي ماهر ، ورغم دسامة الموضوعات التي يتناولها ولكنه يتعاطى معها بشكل متسلسل ووضوح تام ينبئ عن حجم الدراية والاطلاع الذي يمتاز به قلمه الثري .

بين الجزيرة والثورة



سنوات اليأس .. ورياح التغيير

هذا الكتاب واحد من إصدارات الشبكة العربية للأبحاث والنشر التي تعمل بنفس مميز وتدار بعقلية عبقرية وتكاد لا تصدر من المؤلفات إلا ما يطابق رغبات الجمهور ، وهي في كل مرة تثبت جدارتها بالصدارة .
هذه المرة يكتب لنا إعلامي تلفزيوني سعودي انتقل بفضل إمكاناته وبحثه الجاد عن متنفس حقيقي يتسق مع تطلعاته ، انتقل من التفلزيون السعودي بكل بيروقراطيته إلى منبر الجزيرة القطرية بكل أفقها المتسع وفضائها الكبير .
يحدثك الظفيري عن بعض تفاصيل هذا الانتقال العابر للحدود ، ويهمس في أذنيّ كل معنيّ بالإعلام السعودي عن عيوبه ومثالبه ، ثم يعرج بك إلى كواليس واحدة من الفضائيات ذات التأثير العالي الذي زاد ثقلاً مع موجة الثورات العربية .
وينتهي المطاف بك وأنت تقرأ صفحات هذا الكتاب الظريف الأليف في عمق الثورات العربية التي طافت على بلدان عتيقة ، محاولة منه لقراءة مواقفها المتباينة وظروفها المختلفة ، في تونس حيث الفعل الثوري الناضج الذي تم على نحو هادئ وبقليل من جرعات التصعيد الإعلامي لكأن البدايات كثيراً ما تكون خجولة ، إلى مصر بثورتها العظيمة وليس وصف أنسب من هذا ، لأنها الثورة التي استوعبت منتهى الطموحات العربية ، إلى ليبيا بنهاياتها الدرامية ، إلى اليمن بدمويتها المسرفة ، إلى سوريا التي لم تتبين ملامح خاتمة ثورتها بعد ، والحديث عن الثورة ليس بعيداً عن واحدة من المؤسسات الإعلامية العربية التي اتهمت في حين بالتحريض ، والتمعت في حين آخر نجماً في سماء العروبة النزيهة والرغبوية الشعبية الصادقة .
الكتاب ممتع جداً .

في ضيافة كتائب القذافي




هذا الكتاب يروي قصة اختطاف فريق قناة الجزيرة في ليبيا إبان الثورة الليبية المجيدة التي انتهت بسقوط القذافي الطاغية المغفل الذي فرص سطوته البوليسية على جسد ليبيا الطاهر ما يزيد على الأربعين عاماً وهو يجرجر أذيال الخيبة على شعبها ويرسخ أبشع صور العبودية واستنزاف مقدرات الوطن .
القصة يرويها مراسل الجزيرة أحمد فال بن الدين الذي كان على رأس فريق القناة الذي تجشم مصاعب ومتاعب الدخول إلى أراضي ليبيا وهي في ذروة الانقباض الثوري من أجل نقل صورة نزيهة وموضوعية عن الموقف الإنساني والعسكري للثورة .
فال بن الدين صحفي موريتاني التحق في شبكة الجزيرة منذ فترة ليست بالقصيرة وهو كعادة أهالي موريتانيا حافظ للشعر والقصيد العربي الأصيل وستجد كثيراً من المقطوعات الشعرية التي جاءت في مقامها المناسب ومحلها الملائم ، بينما تقرأ تفاصيل مأساة الحبس وتنجذب بقوة إلى المتاعب التي لاقت الفريق في سبيل الدخول إلى ليبيا وتقترب من لحظة القبض بتهمة تحريض الشعب على النظام وتفاصيل كثيرة تكشف عن واحد من وجوه منظومة بطش سياسية كانت تخنق شعباً ليبياً أبياً طوال عقود من الزمن العربي الصعب .